عبد الكريم الخطيب

196

التفسير القرآنى للقرآن

وقوله تعالى « الْوَصِيَّةُ » هو نائب فاعل للفعل : كتب عليكم ، أي فرض عليكم الوصية للوالدين والأقربين إذا حضر أحدكم الموت . وقوله تعالى « بِالْمَعْرُوفِ » هو ضبط للمعيار الذي تقوم عليه الوصية ، فلا يتحكم فيها هوى ، فتميل بجانب ، وتخفّ بجانب ، أو أن يراد بها الكيد لا البرّ . . وهذه الآية مما قيل إنها من المنسوخ ، وأنها نسخت بآية المواريث ! ونحن لا نقول بالنسخ ، ولا نراه في تلك الآية الكريمة . . فهي برّ خاص بالوالدين ، اللّذين قد لا يقوم الميراث بحاجتهما ، وخاصة إذا كانا قد تقدمت بهما السنّ ، وخلا ظهرهما من الابن الذي كانا يأملانه لكفالة شيخوختهما ! وإذا كان ما فرضه اللّه سبحانه وتعالى لهما من ميراث فيما ترك ابنهما هو القدر الذي قضت به الشريعة ، كنصيب مفروض لهما ، فإن ذلك لا يقضى بحرمانهما من برّ خاص يجئ من قبل الابن ، أو الابنة ، وهما في حال الحياة ، ومن قبل أن يصير ما في أيديهما خارجا عن سلطانهما ، ملكا لغيرهما . . وليس تأخير الوصية والبر الذي تحمله إلى ما بعد الوفاة - بالذي يخرجها عن كونها برّا خاصّا ، جاء من عمل ابنهما أو ابنتهما ، وعن إرادتهما . . فإذا عرفنا - مع هذا - أن الوصية محددة القدر ، وأنّها ، لا تتجاوز بحال ثلث التركة - كان القول بنسخها قطعا لآصرة المودة والبر بالوالدين ، هذا البرّ الذي يرى فيه الولد - وقد أحسّ دنوّ أجله - شيئا من العوض عما فاته من برّ والديه ، وقد قضى الموت قضاءه فيه قبلهما ، ثم إن هذا البرّ قد يكون شيئا رمزيّا ، لا يراد به إلا التعبير عمّا للوالدين من حقّ قبل ولدهما ، إذ لم يكن ما يوصى به مقدورا بقدر معيّن من المال ! هذا في الوصية للوالدين . .